الاستدامة .. وأعمدتها الثلاثة

تشغل فكرة “الاستدامة” بال كل من يتطلع إلى “تواصل واستمرار”، ليس فقط “الوضع الراهن” ومعطياته والاستجابة لمتطلباته، بل “تطورات المستقبل”، والإسهام في تعزيزها، وتمكين الحصول على الاحتياجات المرتبطة بها أيضا. وليست الاستدامة “فكرة فردية” محدودة المدى كحياة الفرد، وإنما هي “فكرة جماعية”، على مستوى الأوطان، وعلى مستوى العالم بأسره. فحياة المجتمعات متجددة باستمرار بأجيال صاعدة، عليها أن تحمل رايات الاستدامة، وتنقلها إلى الأجيال من بعدها. وفي ثقافتنا الإسلامية حَثّ متميز على فعل الاستدامة يتمثل في قول الرسول الكريم، ـــ صلى الله عليه وسلم ــــ، “إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها”. سنقدم في هذا المقال مفهوم “الاستدامة” كما هو مطروح على نطاق واسع.

 وسنبين أيضا الأعمدة الرئيسة للاستدامة التي تشمل: “عمود البيئة، وعمود المجتمع، وعمود الاقتصاد”، ونستعرض قضاياها المختلفة. وسنعطي في الختام، بعض الملاحظات حول توجهات المستقبل وآفاقه. لعل أبرز تعريف لمفهوم “الاستدامة” هو ذاك الذي ورد في وثيقة صادرة عن الأمم المتحدة عام 1987 بعنوان “مستقبلنا المشترك”. وكانت هذه الوثيقة حصيلة جهد استمر ثلاث سنوات قامت به “لجنة الأمم المتحدة للبيئة والتنمية في العالم UNWCED”، وتعرف هذه اللجنة أيضا بلجنة “برندتلاند” Brundtland نسبة إلى اسم رئيسة اللجنة، التي أصبحت فيما بعد رئيسة لوزراء النرويج.

 ونظرا لأهمية الوثيقة، فقد صدرت ككتاب عن مطبعة جامعة أكسفورد. تقول الوثيقة في تعريفها للاستدامة ما يلي: “الاستدامة هي التنمية التي تستجيب لاحتياجات الوضع الراهن، مع أخذ الإمكانات المطلوبة من أجيال المستقبل لتأمين متطلباتها، في الاعتبار”. ومن الواضح أن هذا التعريف يهتم بإمكانات الجيل الحالي في تحقيق الاستدامة من ناحية، وبإمكانات الأجيال القادمة وقدرتها على الاستمرار في ذلك من ناحية أخرى. ويشير هذا الأمر إلى أن مهمة كل جيل لا تقتصر على البعد الزمني لواقعه، وإنما تمتد بعد ذلك لتطالب بالعمل على “تأهيل الجيل التالي” بالإمكانات اللازمة التي يمكن أن تفيده في زمانه. 

وهناك تعريف آخر مهم لمفهوم “الاستدامة” صدر في الولايات المتحدة عن “مجلس الرئيس حول التنمية المستدامة PCSD”، وهو مجلس استشاري أنشأه الرئيس كلينتون ليعمل معه في هذا المجال خلال الفترة 1993 ــــ 1999. ويقول هذا التعريف ما يلي: “الاستدامة هي إجراء متواصل يعمل على تحسين: البيئة؛ والمجتمع؛ والاقتصاد، لفائدة الجيل الحالي والأجيال المستقبلية”. والملاحظ في هذا التعريف أنه يركز كسابقه على الجيل الحالي والأجيال المستقبلية، وأنه يتميز بالاهتمام بالعمل على تحسين ثلاثية “البيئة والمجتمع والاقتصاد”.

 على أساس ما سبق، تتبنى “الوكالة الأمريكية لحماية البيئة EPA” ثلاثية “البيئة والمجتمع والاقتصاد” كأعمدة رئيسة للتنمية، وتضع لكل من هذه الأعمدة مضمونا يشمل قضايا يُطلَب الاهتمام بها، والعمل على دعم إمكاناتها وتفعيل نشاطاتها. وسنلقي الضوء فيما يلي على هذه القضايا، في إطار كل من الأعمدة الرئيسة الثلاثة. إذا بدأنا بعمود “البيئة” فسنجد أن هناك عدة قضايا رئيسة ترتبط به. وتشمل هذه القضايا: الاهتمام بجودة “الهواء” والحد من تلوثه، والعناية بجودة “المياه” ونظافة مصادرها، ونقاء مياه الشرب. 

ويضاف إلى ذلك العمل على تقليل “الفضلات”، والاهتمام بإعادة تدوير بعضها والاستفادة منه. وهناك أيضا السعي إلى الحد من مسببات إفراز هرمون “التوتر” في الإنسان، واستخدام “الوسائل والوسائط العلمية” لحجب أو الحد من أثر المركبات الكيماوية الضارة، ثم هناك بعد ذلك “الحماية العامة” للبيئة من أي آثار تسببها الأعمال الأخرى التي يقوم بها الإنسان. وننتقل إلى عمود “المجتمع” لنجد عددا من القضايا المهمة الأخرى. 

هناك قضيتان رئيستان ترتبطان بالفرد، هما: “المعرفة” بما في ذلك التوعية والتعليم من جهة؛ و”الخدمات الصحية” من جهة أخرى. وهناك أيضا ثلاث قضايا تتعلق “بالمصادر الرئيسة لحياة الإنسان”، مثل: الطعام، والأرض، والطاقة، ومتطلبات إدارتها والاستفادة منها. وتشمل هذه القضايا مسألة الشراكة في العمل على “الاستفادة” من هذه المصادر وفق أنظمة مناسبة، وعلى “حماية” هذه المصادر وتوفير الأمن اللازم لها، ووضع “خطط” للإعمار والتشييد، وتعزيز بناء حياة مرفهة ومستدامة. ثم هناك أيضا قضية تفعيل دور “المسؤولية الاجتماعية المشتركة” في حماية البيئة من أي أخطار أو ممارسات غير سليمة محتملة. ونأتي إلى عمود “الاقتصاد” وقضاياه الرئيسة لنرى أن هناك قضايا ترتبط “بالفرد والمؤسسات التي يعمل فيها”؛ وأخرى “بتوجيه الإنفاق للحد من التلوث”.

 في قضايا الفرد والمؤسسات هناك موضوع “إيجاد الوظائف” والحد من البطالة، ومسألة “تحفيز العمل”، ورفع مستوى إنتاجية الموظف. وفي قضايا توجيه الإنفاق للحد من التلوث، هناك موضوع “توجيه الطلب” عن طريق توفير “عروض أفضل” مثل إيجاد عروض الطاقة الشمسية التي لا تؤدي إلى التلوث، في مقابل عروض الطاقة المعتادة. وهناك أيضا مسألة استخدام “أساليب حياة جديدة” للتعامل مع مشكلات التلوث، مثل إجراءات “الحد من الفضلات”، أو ربما التخلص من وجودها، ومثل وضع أسعار للسلع تشجع على إعادة “المواد” التي تحتضنها لإعادة تدويرها والاستفادة منها. 

تجدر الإشارة هنا إلى أن القضايا المطروحة في مضمون كل من الأعمدة الثلاثة، ليست شاملة، لكنها أمثلة مفيدة يمكن إضافة قضايا أخرى، في مجالات مختلفة، إليها. وتقترن “الاستدامة” اليوم بأفكار وتوجهات في موضوعات مختلفة. فأهداف التنمية على مستوى العالم التي أعلنتها الأمم المتحدة عام 2015، مستهدفة عام 2030، تحمل صفة الاستدامة، حيث أطلق عليها تعبير “أهداف التنمية المستدامة SDG”.

ويضاف إلى ذلك، موضوع التوجه نحو “المدن الذكية” Smart Cities، أو جعل المدن أكثر ذكاء، حيث تحتل الاستدامة موقعا مهما في هذا التوجه، وسنتحدث عن هذا الموضوع في مقال قادم بمشيئة الله. ولعلنا، في الختام نعود إلى القول إن الاستدامة ليست “فكرة فردية” محدودة المدى كحياة الفرد، وإنما هي “فكرة جماعية”، على مستوى الأوطان، والعالم بأسره. هي ليست من أجل جيل بعينه، بل إنها راية لكل الأجيال، يسلمها كل جيل إلى الجيل الذي يليه. وعلى ذلك تحتاج الأوطان، والعالم بأسره، إلى الوعي بشأنها، وإلى اهتمام شامل بقضاياها من جميع أصحاب العلاقة في كل مكان وزمان.